ابن أبي أصيبعة
46
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وقال " بختيشوع " لأبى : ملاك الأمر كله أن يأكل أكلا خفيفا ، ويضبط نفسه فيما بعد التخليط . فأطعم يوم الحمية في دارنا ، واقتصر على أسفيدباج من ثلاثة أرطال لحم مع ثلاثة أرطال خبز ، فلما استوفى ذلك ، طلب زيادة عليه فمنع . واعتقله أبى عنده إلى آخر الأوقات ، ووجه إلى امرأته يوصيها ألا تدع شيئا يؤكل في داره . ولما علم أن الوقت قد ضاق عليه أطلقه إلى منزله ، فطلب من امرأته شيئا يأكله فلم يجد عندها شيئا ، وكانت قد أغفلت برنية فيها فتيت على الرف ، فوجده وأخذ منه أرطالا ، ثم أصبح وأخذ الدواء ، فتحير وورد على المعدة وهي ملأى فلم يؤثر ، وتعالى النهار ، فقال : قد خرف " بختيشوع " . وعمد إلى عشرة أرطال لحم شرائح ، فأكلها مع عشرة أرطال خبز ، وشرب دورقا ماء باردا . فلما « 1 » مضت ساعة ، طلب الدواء طريقا للخروج من فوق أو من أسفل فلم يجد ؛ فانتفخت بطنه ، وعلا نفسه ، وكاد أن يتلف ، وصاحت امرأته واستغاثت بأبى ، فدعا بمحمل وحمل فيه إلى " بختيشوع " ، وكان ذلك اليوم حارا جدا . وكان بختيشوع حين انصرف من داره وهو ضجر ، فسأل عن حاله إلى أن علم شرح أمره ، وكان في داره أكثر من مائتي طير من الطيطويات « 2 » ، والحصانيات ، والبضانيات ، وما يجرى مجراها ، ولها مسقاة كبيرة مملوءة « 3 » ماء ، وقد حمى في « الشمس » « 4 » وذرقت فيه الطيور . فدعا بملح جريش ، وأمر بطرحه على المسقاة كله وتذويبه في الماء . ودعا بقمع وسقى الرجل هذا كله وهو لا يعقل ، وأمر بالتباعد عنه ، فأتى من طبيعته من فوق ومن « 5 » أسفل أمر عظيم جدا ، حتى ضعفت قوته ، وحفظت قوته بالرائحة الطيبة وبماء الدراج ، وأفاق بعد أيام ، وعجبنا من صلاحه . وسألنا عن " بختيشوع " ، فقال : فكرت في أمره ، فرأيت أنى إن اتخذت له دواء ، طال أمره حتى يطبخ ويسقى ، فيموت إلى ذلك الوقت ، ونحن نعالج أصحاب القولنج الشديد بذرق الحمام والملح . وكان " في المسقاة " « 6 » الماء في الشمس ، وقد سخن ، واجتمع فيه ذرق الحمام والملح ما يحتاج إليه ، وكان أسرع تناولا من غيره ، فعالجته به ، ونجح بحمد الله ، تعالى « 7 » . ولما توفى " بختيشوع " ، خلف " عبيد الله " ولده ، وخلف معه ثلاث بنات ، وكان الوزراء والنظار يصادرونهم ، ويطالبونهم بالأموال ، فتفرقوا واختلفوا ، وكان موته يوم الأحد ، لثمان بقين من صفر سنة ست وخمسين ومائتين .
--> - صفراء صغيرة ، وهو مسهل طارد للماء ، وينفع عرق النساء والفالج والقولنج ، وينفع وجع الأسنان . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية : 2 / 296 . ( 1 ) في ج ، د : " كلما " . ( 2 ) في ج ، د : " الطوطويات " . ( 3 ) ساقط في ج ، د . ( 4 ) في أ : " الشهر " ، والمثبت من ج ، د . ( 5 ) ساقط في ج ، د . ( 6 ) في ج ، د : " المسقاة في " . ( 7 ) في طبعة مولر زيادة نصها : " ونقلت من بعض الكتب أن " بختيشوع " كان يأمر بالحقن والقمر متصل بالذنب ، فيحل القولنج من ساعته ، ويأمر بشرب الدواء والقمر على مناظرة الزهرة ، فيصلح العليل من يومه " .